الآلوسي
10
تفسير الآلوسي
وأخرج أحمد في الزهد . والطبراني في الأوسط . والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا أعلمه إلا رفعه قال : صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك أخرها بالبخل والأمل . وفي بعض الآثار عن علي كرم الله تعالى وجهه إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمر واتباع الهوى فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق . * ( وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابمَّعْلُومٌ ) * . * ( وَمَا أَهْلَكْنَا منْ قَرْيَة ) * أي قرية من القرى بالخسف بها وبأهلها الكافرين كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها بعد إهلاكهم كما فعل بآخرين * ( إلاَّ وَلَهَا ) * في ذلك الشأن * ( كتَابٌ ) * أجل مقدر مكتوب في اللوح * ( مَعْلُومٌ ) * لا ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر ، وهذا شرع في بيان سر تأخير عذابهم . و * ( كتاب ) * مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من * ( قرية ) * ولا يلزم تقدمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجىء الحال لأنه في معنى الوصف لا سيما وقد تأكد بكلمة * ( من ) * والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب معلوم لا نهلكها قبل بلوغه ولا نغفل عنه ليمكن مخالفته ، أو مرتفع بالظرف والجملة كما هي حال أيضاً أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق إهلاكها أجل مقدر لا يغفل عنه . وقال الزمخشري الجملة صفة - لقرية - والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى : * ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ) * ( الشعراء : 208 ) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال : جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب ، ووافقه على ذلك أبو البقاء ، وتعقبه في " البحر " بأنا لا نعلم أحداً قاله من النحاة ، وهو مبني على أن ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة ، وقد صرح الأخفش . والفارسي بمنع ذلك ، وقال ابن مالك : إن جعل ما بعد إلا صفة لما قبلها مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل القول بأن الواو توسطت لتأكيد اللصوق . ونقل عن منذر بن سعيد أن هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو ، ومنه قوله تعالى : * ( حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها ) * ( الزمر : 73 ) واعتذر السكاكي بأن ذلك سهو ولا عيب فيه ، ولم يرض بذلك صاحب الكشف وانتصر للزمخشري فقال : قد تكرر هذا المعنى منهم في هذا الكتاب فلا سهو كما اعتذر صاحب المفتاح ، وإذا ثبت إقحام الواو كما عليه الكوفيون والقياس لا يدفعه لثبوته في الحال وفيما أضمر بعده الجار في نحو بعت الشاء شاة ودرهما وكم وكم ، وهذه تدل على أن الاستعارة شائعة في الواو نوعية بل جنسية فلا نعتبر النقل الخصوصي ولا يكون من إثبات اللغة بالقياس لثبوت النقل عن نحارير الكوفة واعتضاده بالقياس ، والمعنى ولا يبعد من صاحب المعاني ترجيح المذهب الكوفي إذا اقتضاه المقام كما رجحوا المذهب التميمي على الحجازي في باب الاستثناء عنده ، ولا خفاء أن المعنى على الوصف أبلغ وأن هذا الوصف ألصق بالموصوف منه في قوله تعالى : * ( إلا لها منذرون ) * ( الشعراء : 208 ) لأنه لازم عقلي وذلك عادي جرى عليه سنة الله تعالى اه . وفي " الدرر المصون " أنه قد سبق الزمخشري إلى ما قاله ابن جني وناهيك به من مقتدي . قال بعض المحققين : إن الموصوف ليس القرية المذكورة وإنما هو قرية مقدرة وقعت بدلاً من المذكورة على